الابتكار في الزراعة الصحراوية والدواجن

انطلاقاً من توجّه دولة الإمارات ودول الخليج العربي نحو تحقيق الأمن الغذائي بتقنيات لا تعتمد على التربة ولا تستهلك مياهاً جوفية كبيرة، أصبحت الزراعة الصحراوية–وبخاصة الهيدروبونيك–من أولويات الاستراتيجيات الوطنية. تتكوّن رحلة المستثمر أو المزارع الرقمي من أربع مراحل متكاملة تبدأ بإعداد دراسة الجدوى وتنتهي بالتوسّع بعد قياس أداء التجربة المبدئية.

. 1إعداد دراسة الجدوى الشاملة

1.1 أهمية الدراسة

في البيئة الصحراوية ترتفع تكاليف التبريد والتبخير وتقلّ الموارد المائية، لذا تُعدّ دراسة الجدوى من قبل NISRS أداة اختبار افتراضي لمقاومة المشروع للظروف القاسية ولمؤشرات الربحية. تُظهر بيانات «جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية» أن المشاريع التي اعتمدت دراسة دقيقة من البداية حقّقت وفورات في استهلاك المياه تزيد على 70% مقارنة بالزراعة التقليدية.

 1.2المكوّنات الرئيسية، وفق NISRS

  • التحليل السوقي: الطلب المحلي المتزايد على الخضر الطازجة طوال العام، سوق التصدير إلى دول الجوار (الكويت، قطر، سلطنة عُمان)، المنافسة مع المستورد الأوروبي والأردني.
  • الدراسة الفنية: اختيار نظام مغلق (Hydroponic NFT أو Dutch Bucket)، توقيت الزراعة (3 دورات للخس، 2 دورة للطماطم الكرزية)، الكثافة النباتية، استهلاك الكهرباء لأنظمة التبريد والإنارة المكملة.
  • التحليل المالي: تكاليف الاستثمار (CAPEX) للبيوت المحمية والهيدروبونيك تتراوح بين 80–120 د/م²، تكاليف التشغيل (OPEX) تشمل المحلول المغذي والعمالة والطاقة، الإيرادات المتوقعة بناءً على متوسط أسعار الجملة (15–20 د/كغ للخس، 8–12 د/كغ الطماطم(.
  • التقييم البيئي: كمية ملوثات أقل، انبعاثات CO₂ أقل بنسبة 40%، إمكانية تدوير 90% من محلول التغذية.
  • تحليل المخاطر: فشل مضخة المحلول، ارتفاع درجة الحرارة داخل الصوبة، تقلبات أسعار الطاقة، تغيّر قوانين الدعم الحكومي.

 

1.3  أدوات مساعدة

تُتاح حواسيب «LCA» ونماذج «Horti-GIS» لتحديد أفضل موقع جغرافي داخل الإمارات أو السعودية أو قطر، مع إدخال بيانات الإشعاع الشمسي والرطوبة النسبية وسرعة الرياح لحساب التبخر المحتمل وتكاليف التبريد.

2. تحديد المساحة وتقسيمات المزرعة الصحراوية

2.1  مزرعة نموذجية بمساحة 10 هكتارات (100 ألف م²)

  • الهيدروبونيك المغلق: 4 هكتارات (40,000 م²)– صوبات زجاجية مزدوجة مع أنظمة تبريد بالضباب ووحدات التحكم المناخي.
  • البيوت البلاستيكية العادية: 2 هكتار (20,000 م²)– محاصيل موسمية (فلفل، باذنجان(.
  • زراعة صحراوية مائية للنخيل: 5 هكتار– نظام «مروي موضعي» بالتنقيط لأشجار النخيل المثمرة (الخلة، البرحي).
  • مزرعة دواجن دائرية التهوية:
    – دجاج لاحم: 12 عنبراً، طاقة 50,000 طائر/دورة (24 م × 100 م للعنبر).
    –  نعام: 4 حظائر مفتوحة، 200 نعامة إنتاج بيض.
    –  المواشي (أغنام وعجول): 1 حظيرة مظللة (60 × 200 م) + مساحة رعي صناعي 1 هكتار مزروع بالبرسيم الحجازي المائي.
  • البنية التحتية الخدمية: 5هكتار– محطة معالجة مياه معاد تدويرها، مخازن بارد، مختبر جودة، مبنى إداري، محطة طاقة شمسية 2 ميغاواط، غرف تغليف وتعبئة.

2.2  التقنيات المستخدمة

  • :NFT (Nutrient Film Technique) للخس والأعشاب، يستهلك 25 لتر/كغ منتج فقط.
  • :Dutch Bucket للطماطم والخيار، إنتاجية 35 كغ/م² سنوياً مقابل 10 كغ/م² في الزراعة التقليدية.
  • أنظمة التبريد الإلكترونية: حساسات CO₂، وسائط تبخيرية (Coolpad)، مراوح سحب بسرعة متغيّرة.
  • الطاقة الشمسية الكهروضوئية: تغطي 60% من استهلاك الكهرباء، ويُباع الفائض إلى الشبكة الوطنية عبر نظام «Net-Metering».

 

. 3 استخراج التراخيص والموافقات

3.1 الجهات المعنية في الإمارات

  • وزارة التغيّر المناخي والبيئة: ترخيص استخدام مياه المعالجة، موافقة تقييم الأثر البيئي المُبسّط.
  • جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية: اعتماد المنتج العضوي، التحقق من سلامة المحلول المغذي.
  • هيئة الطاقة: ترخيص محطة التوليد واتفاقية الربط.
  • الدفاع المدني: تصريح بناء الصوب والعنابر، خطة إخلاء وإطفاء.
  • بلدية المنطقة: ترخيص نشاط زراعي، تصريف صناعي، شهادات صحية.

 

 3.2 المستندات

  • دراسة الجدوى المعتمدة.
  • المخططات المعمارية والزراعية (CAD).
  • قائمة بالأسمدة والمغذيات الزراعية مع بيانات
  • خطة سلامة الغذاء (HACCP) وخطة سلامة المياه.
  • عقد توريد المياه المعالجة ثلاثياً.

3.3 خطوات الترخيص

  1. تقديم طلب إلكتروني موحّد عبر منصة «TAMM» أو «Dubai Trade» حسب الإمارة.
  2. دفع رسوم التقييم (1000–3000 د) حسب مساحة الصوبة.
  3. معاينة ميدانية خلال 10 أيام.
  4. استلام الترخيص المؤقت لمدة سنة، يُجدَّد بعد تقديم تقارير الامتثال ربع السنوية.

4 . إطلاق المشروع والتجربة المبدئية وقياس الأداء وفق NISRS

4.1  التشغيل التجريبي (Pilot)

تُزرع مساحة 5% من إجمالي الصوبات لمدة 3 أشهر لاختبار:

  • توازن المحلول المغذي (EC 1.8–2.2 mS/cm، pH 5.5–6.5).
  • كفاءة تبريد الصوبة (الحفاظ على 24–26 °C نهاراً).
  • معدل الإنبات والحصاد (Target: >95%خس، >90% طماطم).
  • استهلاك الطاقة لكل كغ منتج (kWh/kg).
  • تردد الأعطال الميكانيكية (<2% من ساعات التشغيل).

 

4.2  مؤشرات قياس الأداء الرئيسية (KPIs)

المؤشر الوحدة الهدف
استهلاك المياه لتر/كغ منتج <30
استهلاك الطاقة kWh/كغ منتج <4.5
الإنتاجية كغ/م²/سنة > 35  خضر، >18 طماطم
الهدر بعد الحصاد % <5
العائد على الاستثمار (ROI) % >18 في السنة الثالثة

 

  • تُحلّل البيانات يومياً عبر منصة IoT وتُرفع إلى «سحابة زراعية» لتوليد تقارير آلية.

 4.3 تحسين العمليات

  • تعديل توقيت الري (من دقيقة إلى 45 ثانية) خفض استهلاك المحلول 8%.
  • استبدال مصابيح HPS بـ LED موفرة خفضت الطاقة 22%.
  • إدخال دبابير المفترسة (Aphidius colemani) خفضت استخدام المبيد الحيوي بنسبة 60%.

 4.4 التوسع والتسويق

  • بعد 9 أشهر من التشغيل التجاري يُطلق خط إنتاج ثانٍ داخل نفس الصوبة (Double cropping).
  • توقيع عقود توريد مع سلاسل التجزئة (Carrefour، Lulu) ومنصات التوصيل (Talabat، Deliveroo).
  • إصدار شهادة «Organic & Pesticide-Free» لتعزيز القيمة المضافة وزيادة السعر بنسبة 15–20%.
  • بحث شراكة تصدير إلى الكويت وقطر عبر شحن جوي مبرد.

 

الزراعة الصحراوية لم تعد تجربة علمية بل أضحت نموذجاً اقتصادياً مجدياً في الخليج العربي، بفضل تقنيات الهيدروبونيك والبيوت المحمية الذكية. بالانتقال من الدراسة إلى الترخيص ثم التشغيل التجريبي وقياس الأداء، يضمن المستثمر تحقيق وفورات مائية هائلة وعائد مالي مجزٍ، مع مساهمة مباشرة في تحقيق أهداف الأمن الغذائي الوطنية و«صفر انبعاثات» بحلول 2050.