تُعَدّ بحوث الترقيات الأكاديمية، في شكل أوراق علمية تشترك معها في التزامها الصارم بالمعايير الأكاديمية والمنهجية العلمية. ومن أبرز ما يميز هذه البحوث أنَّها تسعى إلى تقديم مقترح بحثي أو تطبيقي يساهم في تحقيق أهداف استراتيجية، ويُظهر قدرة الباحث على الإبداع والتحليل والنقد.
أولاً: وصف المقترح وأسباب اختياره
يُعدّ وصف المقترح البحثي خطوة أساسية، حيث يقدّم الباحث عرضًا موجزًا للموضوع المراد دراسته، محددًا فيه أبعاده النظرية والتطبيقية.
- الوصف: يشمل عنوان الورقة، خلفية الموضوع، والإطار العام للمشكلة.
- الأسباب: اختيار المقترح يجب أن يكون مبررًا بواقعية، مثل الحاجة إلى معالجة مشكلة قائمة في مجال العمل أو الحد من معوقات في المؤسسة أوتبسيط الإجراءات، أو تحسين ما هو متوفر إلى الأحسن، أو المساهمة في تطوير السياسات العامة.
- مثال تطبيقي: ورقة بعنوان “أثر تطبيق الذكاء الاصطناعي في تحسين جودة الخدمات الحكومية في دولة الإمارات”، تُختار لارتباطها المباشر باستراتيجيات التحول الرقمي في الدولة.
ثانياً: معيار تحقيق المقترح للأهداف الاستراتيجية
لا يكفي أن يكون البحث أصيلًا، بل يجب أن يُظهر كيف يخدم الأهداف الاستراتيجية للمؤسسة الأكاديمية أو الدولة.
- المواءمة مع الاستراتيجيات الوطنية: مثل رؤية الإمارات 2071، أو استراتيجية الذكاء الاصطناعي 2031.
- المواءمة مع سياسات الجامعة: تعزيز البحث التطبيقي، خدمة المجتمع، دعم الابتكار.
- المواءمة مع أهداف الباحث: تحقيق مساهمة علمية تُضيف إلى مجاله التخصصي.
على الباحث أن يبين بوضوح العلاقة بين موضوع بحثه وهذه الأهداف، ليضمن جدوى بحثه وقيمته التطبيقية.
ثالثاً: معيار المقارنة المعيارية
يُعَدّ التحليل المقارن أداة أساسية لبحوث الترقيات:
- المستوى المحلي: مقارنة نتائج المقترح مع واقع الدولة أو المؤسسة المعنية.
- المستوى الإقليمي: دراسة تجارب الدول العربية والخليجية ذات الظروف المتشابهة.
- المستوى الدولي: الاطلاع على أفضل الممارسات العالمية في الموضوع.
هذا المعيار يضمن أن البحث ليس منعزلًا، بل يضعه في إطار معرفي أوسع، ويمنح الباحث فرصة لإبراز قيمة إضافية مقارنة بما هو قائم.
رابعاً: معيار النتائج والتوصيات
تُعتبر النتائج المحصلة والتوصيات المستخلصة من أهم ما يُميز الورقة العلمية في بحوث الترقيات:
- النتائج: يجب أن تكون مبنية على تحليل دقيق وموثوقة علميًا، سواء باستخدام أدوات إحصائية أو مناهج تحليلية نوعية.
- التوصيات: ينبغي أن تكون عملية، قابلة للتنفيذ، ومبنية على النتائج الواقعية.
- مثال: إذا كان البحث عن إدارة النفايات الطبية بالذكاء الاصطناعي، فإن التوصيات قد تشمل “اعتماد نظام ذكي للتصنيف المبكر للنفايات في المستشفيات لتقليل المخاطر الصحية”.
خامساً: البدائل الثلاثة للمقترح واختيار البديل الأمثل
من منهجيات التفكير الاستراتيجي في بحوث الترقيات، أن يقدم الباحث ثلاثة بدائل لمعالجة المشكلة:
- البديل الأول: الاعتماد على الوسائل التقليدية أو تحسين الموجود.
- البديل الثاني: تطبيق جزئي للتقنية أو السياسة الجديدة.
- البديل الثالث: تطبيق شامل للابتكار أو الحل الجديد.
بعد عرض البدائل، يتم تحليلها وفق معايير محددة مثل الكلفة، الفاعلية، القابلية للتنفيذ، والأثر المتوقع، ثم اختيار البديل الأمثل.
سادساً: تحليل البديل الأمثل باستخدام SWOT
بعد اختيار البديل الأمثل، يتم إخضاعه لتحليل SWOT (نقاط القوة – الضعف – الفرص – التهديدات):
- نقاط القوة (Strengths): ما يميّز البديل، مثل تقليل التكاليف أو توافقه مع البنية التحتية الحالية.
- نقاط الضعف (Weaknesses): العقبات الداخلية، مثل ضعف الكفاءات البشرية.
- الفرص (Opportunities): المكاسب المحتملة، مثل تعزيز تنافسية المؤسسة أو دعم الاستراتيجية الوطنية.
- التهديدات (Threats): المخاطر الخارجية، مثل تغير التشريعات أو مقاومة التغيير.
سابعاً: معيار الآثار والمخاطر
البحث العلمي التطبيقي لا يكتمل إلا بدراسة الآثار والمخاطر المترتبة على تنفيذ المقترح:
- الآثار الإيجابية: تحسين الأداء المؤسسي، زيادة رضا المستفيدين، رفع كفاءة الموارد.
- الآثار السلبية: تكاليف مالية مرتفعة، صعوبة التكيف مع التغيير، مخاطر أمنية أو تقنية.
ثامناً: بناء سجل المخاطر
لضمان المهنية والشفافية، يقوم الباحث بإعداد سجل مخاطر يتضمن:
- وصف الخطر: مالي، تقني، إداري، اجتماعي.
- أسباب الخطر: مثل نقص التمويل، أو ضعف التدريب.
- درجة الاحتمالية: (منخفضة – متوسطة – عالية).
- درجة الأثر: (منخفض – متوسط – مرتفع).
- الإجراءات الوقائية: خطط لتقليل وقوع الخطر أو الحد من أثره.
سجل المخاطر يُظهر أن الباحث واعٍ لتحديات التنفيذ، وقادر على التفكير الاستباقي لتقليلها.
إن إعداد بحوث الترقيات (الورقة العلمية) عملية دقيقة، تتجاوز مجرد الكتابة إلى التخطيط الاستراتيجي والتحليل التطبيقي. فهي تقوم على معايير جوهرية: وصف المقترح وأسباب اختياره، ارتباطه بالأهداف الاستراتيجية، المقارنة المعيارية، النتائج والتوصيات، دراسة البدائل واختيار الأمثل، تحليل SWOT، ودراسة الآثار والمخاطر عبر سجل المخاطر. وكل هذه الخطوات تؤكد أن البحث ليس تمرينًا أكاديميًا فقط، بل مشروعًا معرفيًا تطبيقيًا يسعى لخدمة المجتمع وتعزيز مكانة الباحث ومؤسسته على الساحة المحلية والإقليمية والدولية.